الشيخ حسن المصطفوي

11

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

لا يفعل على استواء وخلوص صواب ، تقول عبث يعبث عبثا ، وهو عابث بما لا يعنيه وليس من باله . والتحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادّة : هو العمل من دون أن يكون له غرض عقلائىّ وفائدة مقصودة . وبهذا الاعتبار تطلق على ما اختلط فيه المقصود وغيره . فيصير حينئذ غير مفيد ، ولا ينتج ما هو المنظور . وتطلق على العبيث والعبيثة ، فكأنّهما مطبوخان لا فائدة فيهما . ويقال عبث به الدهر إذا عمل به ما لا ينتج له فائدة . والفرق بين المادّة وبين الباطل واللغو واللهو واللعب والمزاح : فاللعب : اشتغال بعمل يلتذّ به ، من دون أن يتوجّه إلى نتيجة وفائدة . والباطل : يقابل الحقّ ، وهو ما ليس له ثبوت وتحقّق . واللغو : ما لا يعتدّ به ويقع من غير تفكَّر ورويّة . واللهو : ما يكون لك تمايل اليه وتلذّذ به من دون نظر إلى نتيجة . والمزاح : استيناس ومداعبة وهزل . * ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ) * - 23 / 115 . فانّ الخلقة إذا لم يكن لها معاد وحساب وجزاء للصالح والطالح ، ولم يتميّز المحسن من المسئ : فتكون عبثا ولغوا ، ولا سيّما مع هذه الابتلاءات المادّيّة الدنيويّة والتضيق في معيشتها ، ومع هذه التكاليف الإلهيّة التّى تتعلَّق بالكمال والسعادة والروحانيّة وإذا كانت الحياة منتهية إلى الفوت بالموت : فما معنى المجاهدة في السير إلى التزكية وتهذيب النفس وتحصيل الروحانيّة والتبتّل . وإذا لم يكن معاد : أليس هذا يوجب التوغَّل في العيش المادّى ، وحصول التنازع والاختلاف والقتل والظلم والبغي والفساد . * ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) * - 26 / 128 . فإذا كان بناؤهم في الأراضي الخارجة المرتفعة ، الزائد على حدود احتياجهم : يعدّ عبثا ، ويذمّ عليه : فكيف يجوز أن يكون بناء السماوات والأرض وما بينهما عبثا -